في بيئات العمل اليوم، الكل بيحكي عن “الكفاءة”، “الإنتاجية”، و“الاحترافية”، بس قليل جدًا من الناس اللي بيحكوا عن “الإنسانية” كعنصر أساسي من عناصر النجاح المهني.
ومع مرور السنوات وتجارب التعامل مع عشرات الأشخاص في مجالات مختلفة، بتكتشف إن أفضل الناس اللي ممكن تشتغل معهم مش دايمًا هم الأكثر خبرة، ولا اللي حافظين أدق التفاصيل التقنية، ولا اللي بيكتبوا الإيميلات بلغة رسمية تخليك تشعر إنك داخل اجتماع أمم متحدة.
الأفضل فعلًا هم اللي بيخلّوك تحس إنك بتتعامل مع “إنسان” مش “آلة عمل”.
الناس اللي بتقدر تجمع بين الذكاء المهني والذكاء العاطفي، بين الالتزام والمرونة، بين الجدّية وخفة الظل، بين الكفاءة واللطف.
هدول الناس اللي بيفهموا إن الشغل مش مجرد مهام وتسليمات ومواعيد نهائية، إنما هو منظومة علاقات، وثقة متبادلة، وروح تعاون حقيقية.
ولما تشتغل مع هيك نوع من الأشخاص، بتكتشف إنك بتنتج أكثر، وبتتعلم أكثر، وبتحس بانتماء حقيقي للمكان اللي فيه.
الإنسان قبل المهارة
في كل بيئة عمل، بتصادف الشخص العبقري اللي بيعرف كل شيء تقنيًا، بس بنفس الوقت، ما بيعرف يحكي مع الناس. بتصادفه دايمًا مكفهر، متوتر، أو بيحس حاله فوق الكل. ممكن ينجز، بس بيخلق جو ضغط وسلبية.
بالمقابل، في شخص تاني يمكن أقل علمًا أو خبرة، بس عنده أسلوب إنساني راقٍ. بيساعدك لما تحتاج، بيسمعك بدون ما يحكم، بيشاركك همّك قبل فرحك، وبيخلي المكتب مكان تشعر فيه براحة.
الغريب؟ إن الشخص الثاني غالبًا بيكون الأكثر نجاحًا على المدى الطويل. لأن الناس بتثق فيه، وبتحب تشتغل معه، وبيصير جزء من أي نجاح جماعي بسهولة.
التواصل مش مجرد كلام
التواصل الحقيقي مش إنك تعرف تكتب رسالة إيميل بلا أخطاء لغوية، ولا إنك تتكلم بعبارات رسمية. التواصل هو إنك تفهم الطرف الثاني، تحسّ باللي بين السطور، وتعرف متى تحكي ومتى تسكت.
الناس اللي فعلاً بيعرفوا يتواصلوا هم اللي بيسمعوا أكثر مما بيحكوا. بيسألوا مش بدافع الفضول، بل بدافع الاهتمام. لما تسأل شخص عن حاله لأنك فعلاً مهتم، مش لأن “البروتوكول” بيحكي هيك، بتبني علاقة مختلفة تمامًا.
هي العلاقة اللي بتخلي الفريق يشتغل بتناغم، مش بتنافس سلبي. العلاقة اللي بتخلق بيئة فيها دعم متبادل بدل من الخوف أو التوتر.
الضحكة اللي بتخفف التوتر
في وسط ضغط الشغل، وضيق المواعيد، وسيل الإيميلات، بيكون وجود شخص خفيف الظل بمثابة أوكسجين.
الضحكة الصادقة، الكلمة الطيبة، الإفيه البسيط في اللحظة المناسبة، ممكن يغيّر جو الفريق كله.
مش لأن المزاح بديل عن الجدية، لكن لأن المزاح الذكي بيعيد التوازن النفسي.
الناس اللي بيعرفوا يخلقوا هذا الجو نادرين، وغالبًا هم نفس الأشخاص اللي بتحس معهم بالأمان الوظيفي والنفسي.
هم اللي بيفهموا إن الفريق مش آلات شغالة، وإن الطاقة الإيجابية مش رفاهية، بل ضرورة للإبداع والاستمرار.
القيادة بالإنسانية
أجمل القادة اللي ممكن تشتغل معهم مش اللي بيصرخوا ويصدروا أوامر، بل اللي بيمدّوا إيدهم قبل لسانهم.
اللي لما يغلط الموظف ما بيحط عليه اللوم، بل بيساعده يفهم ليش صار الخطأ.
اللي بيشوف الجانب الإنساني قبل التقييم الرقمي.
هؤلاء القادة بيخلقوا فرق عمل مش بس ناجحة، بل مخلصة.
لأن الولاء ما بينبنى بالخوف، بل بالاحترام المتبادل.
القائد الإنساني ما بيفقد هيبته لما يكون متفهم، بالعكس، بيكسب احترام الناس لأنه بيعاملهم كبشر.
والمفارقة؟ إنه بيحصل على نتائج أقوى من أي قائد متسلط أو جامد.
من هم الأفضل فعلًا؟
الأفضل مش بالضرورة الأعلى تقييمًا أو الأعلى راتبًا.
الأفضل هم اللي بتشتغل معاهم وتشعر إن الوقت مرّ بسرعة لأنك مستمتع.
الأفضل هم اللي لما يغيبوا بتحس بفراغ، مش لأنهم كانوا ضروريين للمهمة، بل لأنهم كانوا ضروريين للروح.
الأفضل هم اللي بيخلّوك تتعلم بدون ما تشعر إنك بتتعلم، وبتنضج بدون ما تحس بالضغط.
الأفضل هم اللي بيعرفوا متى يقولوا “شكراً”، ومتى يقولوا “منيح عملت هيك”، ومتى يمدّوا يدهم ببساطة.
الذكاء العاطفي سرّ التفوق
في عالم الأعمال، بيتم التركيز كثير على الذكاء المنطقي، التحليل، الإدارة، والأرقام. بس الذكاء العاطفي هو اللي بيصنع الفرق الحقيقي بين “شخص ناجح” و“شخص مؤثر”.
الذكاء العاطفي يعني إنك تفهم نفسك وتفهم غيرك، تعرف شو بتحس، وتعرف شو بيحس اللي قدامك.
هو اللي بيخليك تقرأ نبرة الصوت، وتفهم معنى الصمت، وتتصرف بلطف حتى لما تكون مضغوط.
الشخص اللي عنده ذكاء عاطفي عالي بيقدر يحل المشاكل قبل ما تكبر، وبيحافظ على العلاقات قبل ما تنكسر.
وهدول الناس بالذات هم اللي بيوصلوا لأعلى المراتب بدون ما يدوسوا على غيرهم.
التعاون بدل التنافس
في فرق العمل اللي فيها ناس عندهم روح إنسانية عالية، التنافس بيكون إيجابي.
كل واحد بيحاول يعطي أفضل ما عنده مو حتى يثبت إنه الأفضل، بل لأن الجو العام بيحفّز العطاء.
ما في حدا بيخاف من إنجاز غيره، لأن الكل عارف إن النجاح جماعي.
بينما في الفرق اللي يغيب عنها التواصل الإنساني، بصير التنافس مرضي، كل واحد بيخاف على موقعه وبيخبي المعلومة.
الفريق الإنساني بيشتغل كجسد واحد، أما الفريق المادي فبيتحول لحلبة صراع صامتة.
والنتيجة؟ الأرقام يمكن تتشابه، لكن الروح مختلفة تمامًا.
البساطة الراقية
أجمل الناس اللي اشتغلت معهم هم اللي بيجمعوا بين الاحتراف والبساطة.
ما عندهم تكلف بالكلام، ولا يحبوا المظاهر، ولا بيحاولوا يثبتوا إنهم الأذكى.
بيشتغلوا بصمت، لكن حضورهم واضح.
ما بيحكوا كثير عن إنجازاتهم، لكن لما يحكوا، بيكون عندهم ما يُقال فعلًا.
هدول الناس لما يحكوا كلمة تشجيع، بتحس إنها صادقة، ولما ينتقدوا، بتحس إن هدفهم تطويرك مش إحراجك.
هيك أشخاص بتركوا أثر مش بس في مكان العمل، بل في حياتك ككل.
بيئة العمل الحقيقية تبنى بالناس
في النهاية، المؤسسات مش مباني، ولا شعارات، ولا أنظمة إلكترونية متطورة. المؤسسات هي ناس.
اللي بيصنع ثقافة الشركة مش المدير العام، بل طريقة الناس في التعامل اليومي.
كل “صباح الخير” صادقة، كل “يعطيك العافية” طالعة من القلب، كل موقف دعم بسيط، هو جزء من هوية المكان.
ولذلك، لما تكون محاط بأشخاص طيبين، متفهمين، حقيقيين، بيتحول الشغل من “واجب” إلى “شغف”.
بتصير بتروح الصبح مش لأنك مجبور، بل لأنك فعلاً بتحب تكون هناك.
المفارقة الجميلة
أغلب الناس اللي بتجمع بين الإنسانية والكفاءة هم فعلاً الأكثر تفوقًا فنيًا.
مش لأنهم عباقرة أكثر، بل لأنهم فاهمين الناس أكثر.
بيعرفوا كيف يسمعوا، كيف يتعاونوا، وكيف يخلقوا جو يساعد الجميع على النجاح.
هُم الأشخاص اللي إذا اشتغلت معهم، بتتعلم من طريقتهم قبل ما تتعلم من كلامهم.
وهُم نفسهم اللي بعد ما تترك الشغل، بتضل تذكرهم بابتسامة، وبتقول: “هدول الناس اللي بجدّ بحب أشتغل معهم”.
الختام
الناس اللي بيخلّوا بيئة العمل إنسانية، هنّ أثمن من أي نظام أو مشروع ناجح.
هم اللي بيعطوا المكان روحه، وبيعطوا الشغل معناه.
وكل مؤسسة فيها منهم، هي مؤسسة محظوظة.
وكل شخص بيشتغل معهم، بيتغير – مش بس في شغله، بل في حياته كمان.
لأن الإنسانية في الشغل مش تفصيل جانبي، بل هي جوهر كل نجاح حقيقي.
المراجع:
-
كتاب Emotional Intelligence at Work – Daniel Goleman
-
Harvard Business Review: The Case for Kindness in the Workplace (2023)